محمد دياب الإتليدي

219

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

تربصت ساعة . ونمت نوماً لأتقوى بذلك على انتصاب سائر النهار . فقال الفتى : فعجل الآن أيها الأمير ، فإنه أمرني أن لا أفارقك حتى آتيه بك . فأمر المعتصم بإسراج مركوبه وأسرع في التأهب ، ولبس ثيابه وتطيب وركب الفتى معه ، والمعتصم لا ينكر شيئاً من كلام الفتى ويتأمل لطافته وهيئته ، ولم يتوهم إلا نه من بعض خواص المأمون ، وأخذ الفتى يحدث المعتصم وأقبل عليه بكليته ، ولم يتمكن من سؤاله شهوة لاستماع حديثه ، حتى بلغ باب الخليفة فألقى الفتى نفسه عن دابته ، وأخذ يمشي بين يديه ، والحجاب لا ينكرون منه شيئاً ويظنون نه من خدم المعتصم ، حتى نزل المعتصم ، وأخذ الفتى بركابه ، ودخل المجلس ، فلما استقر المعتصم في مجلسه جلس الفتى بين يديه ، وهو منهمك في نوادره وأخباره والمعتصم مصغ إليه تعجباً مما يسمع من حسن كلامه ، وأخبر المأمون أن المعتصم قد وصل ومعه رقيق لا يعرف من هو . فقال المأمون : أخي قد عرف أن هذا المجلس اتفقنا عليه لا ينبغي أن يحضره أحد من الناس إلا من هو عديل النفس . وقد أحسن أخي إذ جعل لنا ثالثاً ، فإن المجلس إذا لم يحضره أكثر من اثنين تعطل لقيام أحدهما إلى الصلاة وإلى ما لا بد منه ، ثم خرج من ساعته فرحاً وليس له همة إلا تصفح وجه الغلام واستنطاقه واعتبار قده وعقله ، فلما استقر على سرير ملكه والفتى عالم بما وقع في نفس المأمون نهض قائماً فقبل يد المأمون ، وعاد إلى مجلسه وأخذ في نوادره وحديثه ومضحكاته وحسن أخباره وغرائب أشعاره كأنه يغرف من بحر ، وهو مع ذلك يوهم المأمون أنه من خواص المعتصم . فساعة يكنيه وساعة يسميه حتى غلب على قلب المأمون ، وأظهر الحسد لأخيه في صحبة مثل هذا الغلام وكلامه ، وأمر المأمون بإحضار المائدة ، فنصبت بأنواع الطعام ، فأكلوا وغسلوا أيديهم ، ولمجلس الشراب انتقلوا ، وأمر المأمون بإحضار الجواري من غير ستارة ، فحضرن وأخذن في الغناء ، فما من صوت يمر إلا والفتى عارف به ، وبالغناء ، ومتى قيل وفيمن قيل ، فعز في عين المأمون حتى ملأ عينه ، وتزايد حسده لأخيه في صحبة مثله فمس الفتى بولٌ ، ولم يجد للمدافعة سبيلاً ، فقام وهو متيقن أنهما سيذكرانه ، ويتواصفان أمره وحاله ، إذا خلا المجلس ، فما هو إلا أن غاب من بين أيديهما حتى قال المأمون لأخيه المعتصم يا أبا إسحاق من صاحبك هذا ؟ فوالله ما رأيت رجلاً قط أكثر منه أدباً ولا أنظف هيئة ولا اشرف من شمائله . فقال المعتصم : والله ما أعلم من هو ، وإنما جاءني مبكراً برسالة أمير المؤمنين .